الصحيفة الإخبارية – Corporate Communications
اقتصادية ثقافية-
التصنيفات
ما أشبه اليوم بالأمس هل يمر الذكاء الاصطناعي بالمسار الذي مرت به السـكك الحديدية؟
ثالثًا: مرحلة الانهيار والإفلاسات (1846-1850) عندما صعد السوق بالسلم وهبط بالمصعد
لم تحتج فقاعة السكك الحديدية إلى سبب واحد لتنهار؛ فغالبًا ما يكفي أن تنكسر السردية الكبرى ” التي غزّت التفاؤل المفرط. ومع نهاية عام 1845 بدأت عوامل الضعف تتراكم تدريجيًا، فتحولت النشوة الاستثمارية سريعًا إلى قلق ثم انكماش، قبل أن تدخل الصناعة موجة انهيار واسعة بين عامي 1846 و 1850 .
أول هذه العوامل كان تشدد التمويل وارتفاع أسعار الفائدة. فقد رفع بنك إنجلتـــــرا أســــــعار الفائدة في أواخر 1845، ومع إعادة توجيه الأموال نحو السندات والاستثمارات الأقل ،مخاطرة بدأت السيولة تنسحب من قطاع
السكك الحديدية، فتوقف صعود الأسهم ثم بدأ الهبوط مع تزايد الشكوك حول استدامة العوائد.
العامل الثاني تمثل في انكشاف الجدوى التشغيلية. فمع بدء تنفيذ عشرات المشاريع، تبيّن أن كثيرًا من الخطوط المقترحة ليست مربحة كما تصور المستثمرون، وأن بناء الشبكات أكثر كلفة وتعقيدًا وأبطأ عائدًا مما روجت له التوقعات المتفائلة. كما أدت المنافسة والإفراط في إنشاء خطوط متقاربة إلى تقليص العوائد الفعلية.
ثم جاء العامل الحاسم: توقف الاستثمار بصورة شبه مفاجئة. فمع تراجع الأسعار، تجمدت التدفقات المالية، ووجدت شركات عديدة نفسها بلا تمويل لإكمال مشاريعها بينما فقد المستثمرون الثقة في إمكانية الخروج بأرباح، فتحولت دورة الصعود السريع إلى انكماش حاد ترك مشاريع غير مكتملة ورؤوس أموال عالقة
وكانت الضربة الاجتماعية قاسية؛ إذ لم تقتصر الخسائر على كبار المستثمرين، بل امتدت إلى شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة التـي دخلت السوق خلال ذروة الحماس. فبحلول بداية 1850 هبطت أسعار أسهم شركات السكك الحديدية بمتوسط قُدّر بنحو 85، ما أدى إلى تبخر
مدخرات عدد كبير من المستثمرين.
وفي خلفية الانهيار ظهرت ممارسات كشفت طبيعة اقتصاد الفقاعة: تضخيم أرباح، محاسبة غير شفافة، وتسويق مفرط، إضافة إلى شبهات فساد وتمرير مشاريع عبر النفوذ السياسي. وبرز اسم جورج هدسون، “ ملك السكك الحديدية”، كنموذج لمرحلة طغت فيها الدعاية الانضباط المالي؛ إذ وُجهت إليه اتهامات بدفع أرباح من رأس المال
الملقب بـعلـ
وتضخيم صورة الأرباح ، ومع نهاية الأربعينيات انهار نفوذه ماليًا واجتماعيًا.
ذعر :1847 عندما تداخلت الفقاعة مع أزمة اقتصادية أوسع
ولم يقع هذا الانهيار في ،فراغ بل تزامن مع ذعر عام 1847. ففي عام 1846 أدى فشل المحاصيل في أيرلندا وإنجلترا إلى ارتفاع أســــــار الغـــــذاء وزيادة الواردات، ما ضغط على احتياطيات بنك إنجلترا من الذهب. ومع استمرار التشدد النقدي ورفع الفائدة مجددًا في 1847، اندلع ذعــــر مـــالي واسع تفاقم بسبب مضاربات غذائية فاشلة أدت إلى إفلاس عدد كبير من التجار، من بينهم أكثر من خمسين تاجرًا للذرة في أغسطس وسبتمبر. وهكذا تداخل انهيار فقاعة السكك الحديدية مع دورة اقتصادية أشد قسوة، فصار التصحيح أعنف وأسرع.
بهذا يتضح أن الانهيار لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تفاعل بين تشدد التمويل، وانكشاف الجدوى التشغيلية، وتوقـف التـدفقات الاستثمارية، إلى جانب صدمات اقتصادية أوسع، وهو ما كشف هشاشة مرحلة الصعود حين تسبق التوقعاتُ الأسس الاقتصادية الفعلية.
الباحث : مصطفى ابوالعلا
رئيس الاستراتيجية و الاسواق الناشئة
فورتريس للاستثمار وتطوير الاعمال
يتبع
مشاركات
الامتثال في المصارف: ركيزة للثقة والاستقرار المالي
الجريمة المالية: التهديد الصامت للاقتصاد والمجتمع
غسل الأموال: الجريمة الخفية التي تهدد الاقتصاد العالمي
تمويل الارهاب : التهديد الخفي للامن العام
Digital twin risks
6 إنجازات مناخية جعلت 2022 عاماً مفصلياً لخفض الانبعاثات
خمسة عشر دولة مضطرة لتغيير عملتها عقب وفاة الملكة
كيف ظهرت فكرة البنوك المركزية حول العالم؟
الائتمان التجاري والائتمان المصرفي