الصحيفة الإخبارية – Corporate Communications
اقتصادية ثقافية-
التصنيفات
ما أشبه اليوم بالأمس هل يمر الذكاء الاصطناعي بالمسار الذي مرت به السـكك الحديدية؟
رابعًا: إعادة الهيكلة والاستقرار (1850-1900) كيف خرجت البنية التحتية أقوى رغم الخسائر؟
بعد الانهيار الحاد الذي ضرب شركات السكك الحديدية في أواخر أربعينيات القرن التاسع عشر، لم تختف هذه الصناعة كما توقع كثيرون، بل دخلت مرحلة جديدة أكثر نضجا واستقرارًا امتدت تدريجيًا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أي من نحو 1850 حتى نهاية القرن في 1900 فمع انكماش التمويل وتوالي إفلاس عدد كبير من الشركات الصغيرة خلال أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات، بدأت الشركات الكبرى، التي تملك موارد مالية وشبكات تشغيلية ،أوسع في شراء الخطوط المتعثرة بأسعار منخفضة لتوسيع نطاقها.
وعندما خُيّر المساهمون بين قبول عروض تقل عن القيمة الاسمية لأسهمهم أو خسارة استثماراتهم بالكامل، فضّل كثير
منهم القبول بالخيار الأول، فانتقلت الأصول من شركات ضعيفة إلـ كيانات أكبر وأكثر قدرة على الإدارة والتشغيل. ومع تتابع هذه العمليات خلال خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر، اندمجت خطوط عديدة داخل شبكات أكبر وأكثر ترابطًا، وتحول بناء الخطوط الجديدة تدريجيًا من فوضى شركات صغيرة متعددة إلى نشاط شركات محدودة لكنها أكثر قوة واستقرارًا ماليا. وفي الوقت نفسه، ومع اتساع الشبكة واقترابها من مرحلة النضج، تقلصت المساحات غير المخدومة التي كانت في أربعينيات القرن التاسع عشر تُغري المستثمرين بتأسيس شركات جديدة بلا حساب، فأصبح التوسع أكثر
تقوده
عقلانية وأقرب إلى منطق التشغيل الفعلي لا منطق المضاربة. وعلى الرغم من الخسائر المالية الضخمة التي مني بها المستثمرون خلال الانهيار، فإن النتائج المادية على الأرض كانت واضحة فبحلول عام 1850 كانت بريطانيا قد امتلكت شبكة سكك حديدية تمتد لنحو 6000 ميل تقريبًا، شكّلت العمود الفقري لنظام النقل الوطني، وهي شبكة تكوّنت في جزء كبير منها نتيجة المشاريع التي جرى الترخيص لها خلال ذروة الهوس الاستثماري بين عامي 1844 9 1846 والتي أسفرت عن إنشاء ما يقارب 6220 ميلًا من الخطوط. أي أن موجة المضاربة، رغم ما سببته من إفلاسات وتصحيح ،قاس خلّفت في النهاية بنية تحتية حقيقية استمرت في التوسع والاندماج حتى نهاية القرن التاسع عشر، لتصبح السكك الحديدية أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الصناعي البريطاني. وبذلك تحولت الصناعة عبر نصف قرن تقريبًا، من فوضى شركات مضاربة متنافسة إلى منظومة نقل ناضجة تهيمن عليها شركات أقل عددًا وأكثــر قدرة، وهو تحول يوضح المفارقة التاريخية الكبرى كثير من الشركات انهارت، لكن البنية التحتية نفسها خرجت أقوى وأكثر رسوخًا، لأن عملية التصحيح أزالت المبالغة والفائض وأبقت فقط ما كان قادرًا على العمل
والاستمرار.
خامسًا: لماذا انهارت شركات السكك الحديدية رغم نجاح الفكرة ؟ لم يكن سبب الانهيار أن السكك الحديدية كانت خدعة أو فكرة فاشلة، بل على العكس؛ كانت تكنولوجيا بنية تحتية حقيقية غيرت الاقتصاد الصناعي فعليًا. لكن المشكلة أن “حلم البنية التحتية ” جذب تمويلا هائلًا أسرع من قدرة الاقتصاد على استيعابه وتشغيله بكفاءة. وهنا ظهر الخلل بين الفكرة الصحيحة والتطبيق المبالغ فيه، وهو خلل يتكرر تاريخيًا في كل طفرة اقتصادية كبرى.
–
-1 الإفراط في التوسع قبل نضج الطلب تم التخطيط لشبكات ومسارات تفوق الحاجة الفعلية، وبعضها بلا منطق اقتصادي ،واضح فأنشئت خطوط في مناطق لم يكن الطلب فيها كافيًا لتغطية التكلفة. وعند أول اختبار تشغيلي حقيقي تبيّن أن جزءًا كبيرًا من
هذه المشاريع غير قابل للاستمرار ماليا.
-2 التمويل والديون وتكلفة رأس المال
مشاريع البنية التحتية تحتاج رأسمال ضخم وفترات استرداد طويلة. ومع ارتفاع أسعار الفائدة وانكماش السيولة اختنقت الشركات سريعًا، لأن نموذجها المالي لم يكن يتحمل صدمات تمويلية مفاجئة أو توقفا فـ افر
التدفقات النقدية.
-3 المضاربة على الأسعار بدل الربحية التشغيلية
دخل كثير من المستثمرين بمنطق البيع قبل اكتمال التكلفة، لا بمنطق الاســـــتثمار طويل الأجل في التشغيل. وعندما توقف المشترون الجدد، انهارت الأسعار فورًا، بينما بقيت الالتزامات الرأسمالية قائمة، فتحولت الأرباح الورقية إلى خسائر فعلية.
-4 غياب معايير محاسبة وتدقيق ناضجة
كانت المعلومات المالية ضبابية والوعود التسويقية مبالغًا فيها، والممارسات المحاسبية غير منضبطة في ظل غياب رقابة قوية ومعايير دقيق واضحة، وهو ما سمح بتضخيم الأرباح المتوقعة دون أساس
تشغيلي صلب. -5-
-5 الانتقاء الطبيعي للصناعة
الباحث : مصطفى ابوالعلا
رئيس الاستراتيجية و الاسواق الناشئة
فورتريس للاستثمار وتطوير الاعمال
يتبع
مشاركات
الامتثال في المصارف: ركيزة للثقة والاستقرار المالي
الجريمة المالية: التهديد الصامت للاقتصاد والمجتمع
غسل الأموال: الجريمة الخفية التي تهدد الاقتصاد العالمي
تمويل الارهاب : التهديد الخفي للامن العام
Digital twin risks
6 إنجازات مناخية جعلت 2022 عاماً مفصلياً لخفض الانبعاثات
خمسة عشر دولة مضطرة لتغيير عملتها عقب وفاة الملكة
كيف ظهرت فكرة البنوك المركزية حول العالم؟
الائتمان التجاري والائتمان المصرفي