الصحيفة الإخبارية – Corporate Communications
اقتصادية ثقافية-
التصنيفات
ما أشبه اليوم بالأمس هل يمر الذكاء الاصطناعي بالمسار الذي مرت به السـكك الحديدية؟
قراءة اقتصادية تاريخية لمسار الصعود والتصحيح، ومقارنة أوجه التشابه واستشراف المستقبل
لم تكن السكك الحديدية في القرن التاسع عشر مجرد وسيلة نقل جديدة، بل كانت ثورة اقتصادية أعادت تشكيل بنية الاقتصاد الصناعي نفسه. فقد اختصرت المسافات بين المدن، وسرعت حركة التجارة، وخفّضت تكلفـة نقــل الفحم والحديد والسلع، ووسعت الأسواق إلى نطاق لم يكن ممكنا من قبل. ومع كل ميل جديد من الخطوط الحديدية، لم يكن يُبنى مجرد مسار ،قطار، بل كانت تُبنى شبكة اقتصادية تربط الإنتاج بالاستهلاك، والمصانع بالموانئ، والمدن بعضها ببعض، حتى تحولت السكك الحديدية إلى بنية تحتية حاكمة لعصر صناعي كامل، وبدا وكأن من يسيطر عليها يسيطر مستقبل الاقتصاد ذاته. لذلك اندفع الأفراد والشركات والنخب السياسية للاستثمار فيها، لا بدافع الربح فقط، بل بدافع السبق والسيطرة على ما اعتُبر آنذاك ” عصب الاقتصاد الجديد”.
لكن ما يلفت الانتباه في هذه التجربة التاريخية ليس حجم التحول الذي أحدثته السكك الحديدية فحسب، بل المسار الذي سلكته منذ انطلاقها وحتى استقرارها. فالتاريخ يكشف نمطًا يتكرر مع كل تطور اقتصادي كبير يُعتقد أنه سيغير قواعد السوق: نجاح مبكر يثبت جدوى الفكرة، يليه اندفاع رأسمالي واسع يغذِّيه التفاؤل المفرط، ثم يتحول هذا الاندفاع إلى هوس جماعي بالفكرة،
قبل أن تأتي لحظة الحقيقة حيث تنكشف الفجوة
بين التوقعات والواقع، فتقع الانهيارات والإفلاسات، وتُعاد هيكل الصناعة حتى تستقر في أيدي عدد أقل من الكيانات الأقوى. إنها دورة اقتصادية تتكرر كثيرًا، ويمكن تلخيصها في أربع مراحل متتابعة اندفاع، ثم هوس، ثم تصحيح، ثم استقرار.
ومن هنا تنبع أهمية استعراض تجربة السكك الحديدية اليوم؛ فأنا لا أتناولها كحكاية تاريخية معزولة، بل كنموذج تحليلي يمكن التعلم منـــه لفهم ما إذا كانت هناك أوجه تشابه مع ما يحدث الآن في ثورة الذكاء الاصطناعي، إذ أرى أننا نمر بمرحلة تحمل معطيات متقاربة من حيث الحماسة الاستثمارية والرهان على تكنولوجيا يُعتقد أنها ستغيّر قواعد الاقتصاد
لكن التاريخ يعلّمنا درسًا ثابتًا حين يعتقد الناس أن البشرية تدخل “عصرًا جديدًا وأن قواعد الربح تغيّرت إلى الأبد، يصبح خداعهم أسهل ؛ أحيانًا دعهم الآخرون، وأحيانًا يخدعون أنفسهم. عندها تتضخم التوقعات، وتتسارع المضاربة، وتظهر موجة من الدخلاء والمقامرين الذين يطاردون الربح السريع بأي اتجاه ثم تأتي مرحلة لا مفر منها: تصحيح قاسٍ يُخرج عفاء ويُبقي القادرين، بينما تظل التكنولوجيا نفسها حاضرة لأنها
الضعفاء كانت حقيقية من الأساس
ومن أجل فهم هذه الدورة بوضوح، سنستعرض المراحل التاريخية التي مرت بها السكك الحديدية منذ انطلاقها وحتى استقرارها، ثم نقارنها بما يحدث اليوم في ثورة الذكاء الاصطناعي.
أولا: مرحلة الانطلاق (1800-1830) حين كانت الفكرة أكبر من قطار
في مطلع القرن التاسع عشر كانت بريطانيا تعيش ذروة الثورة الصناعية ؛ فالمصانع تتوسع بسرعة، والحاجة إلى نقل الفحم والحديد والمواد الخام من المناجم إلى الموانئ والمراكز الصناعية أصبحت أكثر إلحاحا كانت الطرق البرية بطيئة ،ومكلفة والقنوات المائية لم تعد تكفي وحدها لمواكبة اتساع النشاط الاقتصادي. في هذا السياق ظهرت فكرة السكك الحديدية كحـــل اقتصادي قبل أن تكون ابتكارًا هندسيًا، إذ بدت وسيلة واعدة لربط مراكز الإنتاج بالأسواق بسرعة أكبر وتكلفة أقل .
في البداية لم تظهر السكك الحديدية كمشروع وطني متكامل، بل كتجارب محلية محدودة هدفها نقل الفحم والمواد الثقيلة لمسافات قصيرة. ومع مرور السنوات الأولى من القرن التاسع عشر، أخذت هذه التجارب تتطور تدريجيًا من حلول تقنية ضيقة إلى مشروع اقتصادي أوسع، مدفوعًا بحاجات الثورة الصناعية نفسها. وهنا بدأت الفكرة تتجاوز حدود “وسيلة نقل” لتصبح تصورًا لنظام ربط اقتصادي يمكنه إعادة تشكيل الخريطة التجارية بين المدن والموانئ والمناطق الصناعية.
ثم جاءت اللحظة الفاصلة التي نقلت السكك الحديدية من تجربة واعدة إلى صناعة يُعوّل عليها اقتصاديًا. ففي عام 1825 افتُتح خط ستوكتون دارلينغتون وهو من أوائل الخطوط الحديثة التي أثبتت جدوى التشغيل المنتظم للقطارات البخارية في نقل البضائع، خاصة الفحم، على نطاق عملي
مستقر. وقدّم هذا الخط الدليل الأول على أن السكك الحديدية يمكن أن تصبح جزءًا دائمًا من البنية التحتية الصناعية. لكن التحول الحاسم جاء في عام 1830 مع افتتاح خط ليفربول مانشستر، كأول خط تجاري حديث ناجح لنقل الركاب والبضائع معًا. لم يكن نجاحه تقنيًا فقط، بل اقتصاديًا ونفسيًا أيضًا؛ إذ أثبت أن القطارات قادرة على نقل أعداد كبيرة من الركاب بكفاءة وربحية، رغم الشكوك الواسعة آنذاك حول استعداد الناس للتخلي عن العربات التي تجرها الخيول لصالح القاطرات
البخارية. هكذا مثلت سنوات 1800 إلى 1830 مرحلة إثبات الفكرة”، حيث انتقلت السكك الحديدية من تجارب محلية محدودة إلى مشروع اقتصادي يُنظر إليه كأداة لإعادة تنظيم الفضاء الاقتصادي نفسه فلم تعد مجرد وسيلة نقل بل أصبحت وسيلة ربط اقتصادي تعيد توزيع النشاط التجاري بين المدن، وتختصر الزمن بين الإنتاج والاستهلاك، وتخلق قيمة جديدة تنبع من الربط بين الأسواق أكثر مما تنبع من النقل ذاته.
الباحث : مصطفى ابوالعلا
رئيس الاستراتيجية و الاسواق الناشئة
فورتريس للاستثمار وتطوير الاعمال
يتبع
مشاركات
الامتثال في المصارف: ركيزة للثقة والاستقرار المالي
الجريمة المالية: التهديد الصامت للاقتصاد والمجتمع
غسل الأموال: الجريمة الخفية التي تهدد الاقتصاد العالمي
تمويل الارهاب : التهديد الخفي للامن العام
Digital twin risks
6 إنجازات مناخية جعلت 2022 عاماً مفصلياً لخفض الانبعاثات
خمسة عشر دولة مضطرة لتغيير عملتها عقب وفاة الملكة
كيف ظهرت فكرة البنوك المركزية حول العالم؟
الائتمان التجاري والائتمان المصرفي